الأربعاء، 4 سبتمبر 2019

مصر منجم السكري

لم يكن الأمر عاديا أن ألتقي به بعد سنوات من التواصل..  لقاء كنت أنتظره بشغف السنين..  سلمان صديق سعودي يأتي إلي مصر كي نلتقي و قضي أجازة الصيف بين دول أوربا الجميلة و لكنه قال لي في آخر اتصال : أنا أجلت زيارتي لمصر من أجل أن انهي اجازتي نهاية جميلة فمصر هي الجمال و الحب كله..  لم أعي كلامه و لم ادرك هويته..
وهاهو يهبط إلي ارض المطار و ينهي اجراءاته في سهولة و يسر أسرني ذلك و أسعدني و بيض وجهي امام صديقي.. كان اللقاء حارا بيننا و دفء المودة غمر اللقاء و سرعان ما انتهينا و ركبنا سيارتي تشاركنا  ام كلثوم و رائعة سيرة الحب فلقد علمت عشقه لها فأحضرتها بكامل أغانيها..  و السيارة تقطع الطريق في سعادة و سرور.. و فجاءة توقفت السيارة و خرست الاغاني و توقفت سيرة الحب لقد استوقفنا كمين شرطة في عرض الطريق..  فاجاني الضابط بأسلوبه : رخصك يا ابني انت و هو ؟ لملمت اوراقي و قد أذهلني الموقف وسقطت مني الرخصة تحت الدواسة..  عزمت أن انحني لإلتقاطها فنهرني الضابط : بسرعة يا اخويا و لا يلا خلصني و انزلي هنا..  
ألتقط الرخصة و يعتصرني الخجل من صديقي علي هذا الحوار المتدني معي .. قلت : تفضل يا افندم
نظر بجانبي لصديقي نظرة استعلاء و استحقار و قال : و انت فين بطاقتك و بتشتغل إيه ؟
قال صديقي و قد تحلي بثقته بنفسه : حضرتك بتكلمني أنا ؟
قال الظابط في ثورة : ايوة يا روح امك..  طلع بطاقتك ؟
تردد صديقي السعودي في الرد و لكنه سارع بتقديم جواز سفره خشية ان يتطور الأمر.
نظر الضابط في جواز السفر يقلب في اوراقه و كأنه يبحث عن حجة يعود بها ليعدل من حواره معنا.. 
و عاد يحاور صديقي بعدما ذهب إلي الجانب الآخر للسيارة حيث يجلس سلمان  و قال : اهلا وسهلا اخ سلمان اهلا بك في مصر..  لم اعرف هويتك ؟
رد صديقي سلمان : شكرا..   و لكن لايهمني كيف تعاملني و لكن لماذا تعامل مواطنك هكذا..  هل تعلم حضرتك مصر بالنسبة لنا في السعودية إيه..  نحن نسميها منجم السكري ؟
نظر الظابط في دهشة  ذهول و أشاركه أنا و قال : منجم  السكري .. مش فاهم ؟
و سارع سلمان و واصل الرد : نعلم أن في مصر أغني شيء بها هو منجم السكري اي جبل الذهب .. نعم نعتبرها منجم السكري بالنسبة  لأن في مصر كل مانشتهي من خيرات من الدفء و الروح المرحة و الألفة و المودة و خفة الدم.. نحن عندما نريد ان نضحك في بلادنا نستورد من أذهاننا  نكتة مصرية نضحك عليها..  نأتي بأفيهات نجومكم لنبتسم..  لقد كنت في أوربا الباردة بجوها و ناسها و اصريت أن أنهي اجازتي هنا حتي استمتع برحلتي..  مصر بالنسبة لنا دنيا أخري غير التي نحياها في بلادنا..  ولقد حزنت ان تكون معاملتك هكذا مع ابناء وطنك..  فالشرطة تضبط الامور و تعرف جيدا متي تفرق بين المواطن العادي و اللص فخاطبوا الناس علي خصائصهم.. انا لا اعطيك درس في كيفية التعامل و لكن اوضح لك ماذا تعني مصر للسعودية و الدول العربية..  انتم للعالم كله الوجه الجميل للانسانية .. انتم بالنسبة لنا أغلي من الذهب من منجم السكري.
نظر الضابط في خجل و طأطأ رأسه و هو يشير لنا بالانصراف .. و قال : اتفضلوا.. ادخلوها بسلام آمنين..  و لسانه حاله يقول ربما نتغير يوما ما حتي نليق بوطننا و صورته التي يرانا البعض عليها .. و تركنا نمضي لحال سبيلنا .. و انطلقت السيارة و عادت ام كلثوم لسيرة الحب مع دندنات صديقي و صمتي البالغ .( عبدالحميد التهامي)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق